معنى الحرف في اللغة العربية

معنى الحرف في اللغة العربية



 عرضها في السياق والنظم القُرْآني تكشف عن أسرار جديدة استودعها الله فيها، كما سيتضح في المطلب القادم إن شاء الله، فليس للحرف إذًا حال تخصه في نفسه، وإنما تكون حاله لأمر راجع لفعله.
رابعًا: وظيفة حروف المعاني:
حروف المعاني أدوات ربط تربط بين كلمات وألفاظ النظم أو السياق الذي وجدت فيه كالتالي:
1- تربط ضميرًا بضمير؛ كقولنا: (أين أنت منه؟)، و(كيف أنت له؟).
2- تربط اسمًا باسم؛ كقوله تعالى: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2].
3- تربط فعلًا باسم؛ كقوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ [الانشقاق: 16].
4- تربط فعلًا بفعل؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ [يوسف: 73].
5- تربط جملة بجملة؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [التحريم: 4].
قلت: وفي هذه الآية ربطت جملتين بجملتين، فهما مثالان؛ المثال الأول: ربط فيه بين جملتين فعليتين، والمثال الثاني: ربط فيه بين جملة فعلية وجملة اسمية، وأما مثال ربط جملتين اسميتين فقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277].
6- تربط سورة بسورة، وهذا ينطبق على مثال واحد في القُرْآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾ [قريش: 1]؛ فـ: (اللام) في قوله تعالى: ﴿ لِإِيلَافِ ﴾ تعليلية، تربط بين سورة الفيل وسورة قريش عند من يرى أن قوله تعالى: ﴿ إِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾ متعلقًا بما في سورة الفيل من قوله تعالى:﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 5].
قال ابن عاشور: (وجوَّز الفراء وابن إسحاق في (السيرة) أن يكون ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴾ [قريش: 1] متعلقًا بما في سورة الفيل من قوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 5]... يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل، فكما تلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها)[17]؛ اهـ.
ملحوظة: قد يدخل حرف المعنى على الاسم فقط؛ كقولنا: الرجل أو الكتاب؛ فقد دخلت عليهما (أل) التعريفية فحولتهما من النكرة إلى المعرفة، وقد يدخل حرف المعنى على الفعل فقط؛ كقولنا: سيفعل أو سوف يفعل؛ فقد دخلت (السين) و(سوف) على الفعل المضارع فحولتاه من الحال إلى الاستقبال، و(السين) للمستقبل القريب و(سوف) للبعيد، وقد يدخل الحرف من حروف المعاني على الكلام التام والجملة الواحدة؛ كقولنا: أعمرو أخوك؟ وما قام زيد، ألا ترى أن (الهمزة) دخلت على قولك: (عمرو أخوك) وكان خبرًا فصيرته استخبارًا، و(ما) دخلت على: (قام زيد) وهو كلام تام موجب، فصار بدخولها نفيًا.
والله أعلم.
[1] انظر: "أساس البلاغة" (1/ 183)، "مقدمة تفسير ابن النقيب" (ص: 238، 237)، "لسان العرب" (9/ 41) وما بعدها، "القاموس المحيط" (1/ 800، 799)، "تاج العروس" (23/ 128) وما بعدها.
[2] "صحيح البخاري"، كتاب/ الخصومات، باب/ كلام الخصوم بعضهم في بعض، رقم (2419)، "صحيح مسلم"، كتاب/ صلاة المسافرين وقصرها، باب/ بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وبيان معناها، أرقام (270)، (272)، (273)، (274).
[3] حروف المباني: يتعلق بها علم التصريف (إعلالًا وإبدًالا وزيادةً وحذفًا)، ومن الكتب الغنية بالحديث عن ذلك كتاب "سر صناعة الإعراب" لابن جني (ت: 392هـ).
[4] الأرجَح أن الحرف الأول من حروف الهجاء هو: "الهمزة"، وليس الألف التي تحمل الهمزة فوقها، لتظهرها بارزة لا تختفي، ولا تختلط بغيرها، فشأن الألف في هذا كشأن (الواو) و(الياء) اللتين تستقر فوقهما الهمزة في كتابة بعض الكلمات، أما الألف الأصلية، فمكانها في الترتيب الأبجدي بعد اللام مباشرة، حتى لقد اندمجت بسبب سكونها واستحالة النطق بها منفردة في اللام، وصارتا: "لا" مع أنهما حرفان، لا حرف واحد.
[5] لا تزيد أحرف الاسم على سبعة، نحو: "استنفار"، ولا أحرف الفعل على ستة، نحو: "استنفر"، ولا أحرف الحرف على خمسة، نحو: "لكنَّ" باعتبارها كلمة واحدة على الأصح مشددة النون، ثابتة الألف بعد اللام نطقًا.
[6] "النبأ العظيم" (ص: 101 - 103).
[7] "مناهل العرفان" (2/ 309).
[8] انظر: "التضمين النحوي في القرآن الكريم" د. محمد نديم فاضل، نشر: دار الزمان، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى (1426هـ = 2005م)، (1/ 55).
[9] "الكتاب" لعمرو بن عثمان بن قنبر، أبي بشر، الملقب سيبويه ت (180هـ)، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، نشر: مكتبة الخانجي القاهرة، الطبعة: الثالثة (1408هـ = 1988م)، (1/ 12).
[10] انظر: "الأصول في النحو" لأبي بكر محمد بن السري بن سهل النحوي المعروف بابن السراج ت (316هـ)، تحقيق: عبدالحسين الفتلي، نشر: مؤسسة الرسالة لبنان، (1/ 40).
[11] "المفصل في صنعة الإعراب" للزمخشري ت (538هـ)، تحقيق: د. علي بو ملحم، نشر: مكتبة الهلال بيروت، الطبعة: الأولى (1993م)، (ص: 379).
[12] "الجنى الداني في حروف المعاني" لأبي محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبدالله بن علي المرادي المصري المالكي ت (749هـ)، تحقيق: د. فخر الدين قباوة د. محمد نديم فاضل، نشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة: الأولى (1413هـ = 1992م)، (ص: 20).
[13] الرضي الأستراباذي: محمد بن الحسن الرضي الأستراباذي من أهل أستراباذ (من أعمال طبرستان)، السمنائي، نزيل النجف بالعراق (نجم الدين)، نحوي صرفي منطقي متكلِّم، له مؤلفات عدة، توفي (نحو 686هـ = نحو 1287م). انظر: "خزانة الأدب" (1/ 28) وما بعدها، "بغية الوعاة" (1/ 567) وما بعدها، "الأعلام" (6/ 86).
[14] نقلًا عن "التضمين النحوي في القرآن الكريم" (1/ 60).
[15] وهذا المعنى لم يذكره النحاة لها، كما سيتضح بعد قليل.
[16] ذكر الإمام ابن هشام الأنصاري المصري ت (761هـ) في كتابه "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، نشر: المكتبة العصرية بيروت، الطبعة: الأولى (1419هـ = 1999م)، (1/ 118 وما بعدها): أن (الباء) حرف جر، ولها أربعة عشر (14) معنى، وأن (اللام) الجارة لها اثنان وعشرون (22) معنى، وأنها قد تكون جازمة، وهي الموضوعة للطلب، وأنها قد تكون غير عاملة، وهي بذلك سبعة (7) أنواع، وأن (إلى) حرف جر له ثمانية (8) معانٍ.

[17] "التحرير والتنوير" (30/ 555).