العربية لغة القرآن الكريم
العربية لغة مقدسة

تعريف اللغة
اختلف العلماء في تعريف اللغة ومفهومها، ولم يتفقوا على مفهوم محدد لها؛ ويرجع سبب كثرة التعريفات وتعددها إلى ارتباط اللغة بكثير من العلوم، فانتقاء تعريف لها ليس بالعملية اليسيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1. يقول ابن جِنِّي عن اللغة: "أمّا حَدُّها فإنها أصوات يُعَبِّرُ بها كل قوم عن أغراضهم"[1].
2. اللغة: نظام من الرموز الصوتية الاعتباطية يتم بواسطتها التعارف بين أفراد المجتمع، تخضع هذه الأصوات للوصف من حيث المخارج أو الحركات التي يقوم بها جهاز النطق، ومن حيث الصفات والظواهر الصوتية المصاحبة لهذه الظواهر النطقية[2].
3. ظاهرة اجتماعية تستخدم لتحقيق التفاهم بين الناس[3].
4. صورة من صور التخاطب، سواء كان لفظيًّا أو غير لفظي.
5. يقول (أوتو يسبرسن): اللغة نشاط إنساني يَتَمَثَّل من جانب في مجهود عضلي يقوم به فرد من الأفراد، ومن جانب آخر عملية إدراكية ينفعل بها فرد أو أفراد آخرون.
6. اللغة نظام الأصوات المنطوقة.
7. اللغة معنى موضوع في صوت أو نظام من الرموز الصوتية [4].
8. يقول إدوارد سابيير: اللغة وسيلة إنسانية خالصة, وغير غريزية إطلاقًا؛ لتوصيل الأفكار والأفعال والرغبات عن طريق نظام من الرموز التي تصدر بطريقة إرادية[5].
9. أنطوان ماييه: إن كلمة (اللغة) تعني كل جهاز كامل من وسائل التفاهم بالنطق المستعملة في مجموعة بعينها من بني الإنسان، بصرف النظر عن الكثرة العددية لهذه المجموعة البشرية أو قيمتها من الناحية الحضارية.
10. اللغة نشاط مكتسب تتم بواسطته تبادل الأفكار والعواطف بين شخصين أو بين أفراد جماعة معينة, وهذا النشاط عبارة عن أصوات تستخدم وتستعمل وفق نظم معينة.
واللغة نعمة من الله عزّ وجل للإنسان مثله مثل كل الحيوانات التي تمتلك نظامًا من الرموز والإشارات للتفاهم فيما بينها، فيقال: لغة الحيوان، ولغة الطير، ولغة النبات، قال تعالى: {عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [النمل: 16]. ولكن لغة الإنسان تتميز بأنها ذات نظام مفتوح، بينما الحيوانات الأخرى نظامها التعارفي نظام مغلق.
اللغة العربية
اللغة العربية أقدم اللغات التي ما زالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال، مع الاستطاعة في التعبير عن مدارك العلم المختلفة. ونظرًا لتمام القاموس العربي وكمال الصرف والنحو فإنها تعدّ أمّ مجموعة من اللغات تُعرف باللغات الأعرابية، أي التي نشأت في شبه جزيرة العرب، أو العربيات من حميرية وبابلية وآرامية وعبرية وحبشية. وعلماء اللغة حديثًا يصنفون كل السلالات اللغوية والعودة بها إلى لغة (أم) أطلقوا عليها (اللغة السامية)، وأول من أطلق هذه التسمية هو العالم النمساوي شولتزر عام 1781م، وواضح أنها تسمية عنصرية اقتبسها من نص من نصوص التوراة المكتوبة بأيدي الأحبار (العهد القديم) (الإصحاح 10 سفر التكوين)، في ظل تقسيم وهمي للأجناس البشرية مستمد من أبناء نوح وهم: سام وحام ويافث, فكيف ينشأ ثلاثة إخوة في بيت واحد ويتكلمون ثلاث لغات؟!
السامي والسامية والساميون، تعريف يطلق على التجمعات والكيانات البشرية التي تواجدت في فلسطين وغور الأردن وجنوب العراق وشبه الجزيرة العربية, باعتبار أن كل هذه المناطق تشكل وحدة جغرافية واحدة, والمعروف أن الجميع جاءوا من شبه الجزيرة العربية، وبالتالي فقد ذهبوا إلى أطراف شبه الجزيرة العربية في هجرات عدة متتالية, وقد استحالت لغة وألسنة هذه الأقوام إلى اللغة العربية واللغة العبرية واللغة السريانية. والسامية أيضًا هي مصطلح يطلق على كل الشعوب والأمم والقبائل قديمًا وحديثًا مرورًا بالعصور الوسطى التي تنتسب إلى سام بن نوح, ومن المعروف أن التوراة أول من أشار بالنص إلى ذلك التقسيم كما سبق وأسلفنا.
بعض العلماء نسب الصفة العربية إلى مدينة (عربة) في بلاد تهامة, وقيل إنها نسبة إلى يعرب بن يشجب بن قحطان وهو أبو العرب العاربة، أول من تكلم العربية على صورتها المعروفة. وقيل أيضًا أنهم سموا كذلك نسبة إلى فصاحة لسانهم في الإعراب, وقد وردت تسمية (العربية منذ منتصف القرن التاسع قبل الميلاد, إذ وردت في نصوص شلمناصر الثالث الآشوري[6]). والأقوام الذين تكلموا العربية لا يحصي عددهم إلا الله، منهم العرب البائدة: وهم قبائل طسم، وجديس، والعماليق، وأهل الحجر، وقوم هود وصالح عليهما السلام، وغيرهم. وهولاء لم يصل لنا شيء من أخبارهم لا من قريب ولا من بعيد. وهناك العرب العاربة: وهم القحطانيون ومن ينحدر منهم. وأخيرًا العرب المستعربة وهم أبناء إسماعيل العدنانيون.
إن الموروث الكتابي العربي أعمق جذورًا مما يظن حتى الآن، فلو أضفنا إليه موروث الكتابة العربية كما كتبها الأكاديون (بابليون وآشوريون) بالخط المسماري، وما كتبه الكنعانيون على سواحل الشام، وكذلك مخطوطات أوغاريت وتل العمارنة ومخطوطات البحر الميت، لاتّصل تاريخ كتابة العربية ببضع آلاف قبل الميلاد[7].
وتأسيسًا على ذلك فالعرب هم في شبه الجزيرة العربية التي تشتمل على جنوب العراق وجنوب الشام وفلسطين وشبه جزيرة سيناء, والعربية وليدة واقعها المعيش أخذ العرب ألفاظها من الطبيعة المحيطة بهم، فجاءت مفعمة بالصور ومشحونة بالأحاسيس والمشاعر.
العربية لغة مقدسة
العربية لغة القرآن الكريم، وهو مهيمن على ما سواه من الكتب الأخرى, وهذا يقتضي أن تكون لغته مهيمنة على ما سواها من اللغات الأخرى. وهي لغة خاتم الأنبياء والمرسلين أرسله الله للبشرية جمعاء، واختار الله له اللغة العربية، وهذا يعني صلاحيتها لأن تكون لغة البشرية جمعاء، ينبغي أن ندرك أبعاد هذه المسألة.
قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192- 195]. فلما وصفها الله بالبيان علم أن سائر اللغات قاصرة عنها، وهذا وسام شرف وتاج كلّل الله به مفرق العربية، خصوصًا حين ناط الله بها كلامه المنزل، قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]. وقال تعالى:{كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3]. وقال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28]. ومن هنا قال حافظ إبراهيم على لسان العربية:
وسعتُ كتاب الله لفظًا وغايةً ... وما ضقتُ عن آيٍ به وعظاتِ
فهو يشير إلى الطاقات الهائلة والمخزون الضخم الذي تمتلكه العربية التي وسعت هذا القرآن بكل أبعاده وآفاقه. إنها لغة الخلود حيث لا يمكن أن تزول عن الأرض إلا أن يزول هذا الكتاب المنزّل، وقد تكفل الله بحفظها ضمنيًّا في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
ومن الطريف ما ذكره محمد الخضر حسين: "كتب (جون فرن) قصة خيالية بناها على سياح يخترقون طبقات الكرة الأرضية حتى يصلوا أو يدنوا من وسطها، ولما أرادوا العودة إلى ظاهر الأرض بدا لهم هنالك أن يتركوا أثرًا يدل على مبلغ رحلتهم، فنقشوا على الصخر كتابة باللغة العربية، ولما سئل جون فرن عن اختياره للغة العربية, قال: إنها لغة المستقبل، ولا شك أنه يموت غيرها, وتبقى حية حتى يرفع القرآن نفسه"[8].
وتعدّ اللغة العربية أكبر لغات المجموعة السامية[9] العربي، إضافةً إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة، كالأحواز وتركيا وتشاد ومالي والسنغال. من حيث عدد المتحدثين، وإحدى أكثر اللغات انتشارًا في العالم، حيث يتحدثها أكثر من 422 مليون نسمة[10] كلغة أم، ويتحدث بها من المسلمين غير العرب قرابة العدد نفسه كلغة ثانية، ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم الوطن
وللغة العربية أهمية قصوى لدى أتباع الديانة الإسلامية؛ فهي لغة مصدري التشريع الأساسيين في الإسلام: القرآن والسنة النبوية، ولا تتم الصلاة في الإسلام إلا بإتقان بعض من كلمات هذه اللغة.
وبانتشار الإسلام وحضارته ارتفعت مكانة اللغة العربية، وأصبحت لغة السياسة والعلم والأدب لقرون طويلة في الأراضي التي حكمها المسلمون، وأثرت العربية تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر على كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي، كالتركية والفارسية والأردية.
ويطلق العرب على اللغة العربية لقب لغة الضاد؛ وذلك لأنها الوحيدة بين لغات العالم التي تحتوي على حرف الضاد. وهي اللغة الرسمية في كل دول العالم العربي، إضافةً إلى كونها لغة رسمية ثانية في دول أخرى، مثل: السنغال، ومالي، وتشاد، وإريتريا. وقد اعتمدت العربية كإحدى لغات منظمة الأمم المتحدة الرسمية الست.
وتحتوي اللغة العربية على 28 حرفًا مكتوبًا، وتكتب من اليمين إلى اليسار بعكس الكثير من لغات العالم، ومن أعلى الصفحة إلى أسفلها.
نشأة اللغة العربية:
هناك نظريات متعددة حول نشأة اللغة، أشهرها أربع نظريات:
(1) نظرية التوقيف: قال بها أفلاطون وأبو علي الفارسي، وابن حزم، وابن قدامة, وأبو الحسن الأشعري, والآمدي, وابن فارس، ومعظم رجال الدين، ويستدلون بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]. وبما جاء في سفر التكوين: "وجبل الربّ الإله كل حيوانات البرية، وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، فكل ما دعا به آدم من ذات نفس حيّة فهو اسمها. فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء، وجميع حيوانات البرّيّة" (الإصحاح الثاني عشر: آية 19، 20).
(2) نظرية المواضعة والاصطلاح: قال بها سقراط، وديمقريط، وآدم سميث، ومن العرب أبو الحسن البصري، وأبو إسحاق الإسفراييني، والسيوطي، وابن خلدون.
(3) نظرية المحاكاة: تعني أن يحاكي الإنسان ما حوله في الطبيعة من الظواهر, وأول من أشار إلى ذلك ابن جِنِّي في الخصائص، ثم قال: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل"[11]. ولكنه لم يستقر على هذا الرأي أيضًا بعد أن ناقش الرأيين السابقين. والأسلم ألاّ ننسب الرجل إلى مذهب بعينه من المذاهب الثلاثة.
(4) نظرية الغريزة: يريدون أن الله زوّد الإنسان بآلة الكلام، وبجهاز للنطق، فهو حتمًا سينطق شاء أم أبى.
والحديث في أصل نشأة اللغة – كما يرى الإمام الغزالي - فضولٌ لا أصل له، وكأنه يدعو إلى الانصراف عنه إلى معالجة اللغة بوصفها حقيقة واقعية في وضعها الراهن, وهذا التوجُّه من الإمام الغزالي ينسجم تمامًا مع توجه علم اللغة المعاصر الذي أخرج هذه القضية من نطاق مباحث علم اللغة.
وقد تشعبت مجموعة اللغات السامية من أصل واحد؛ ولما خرج الساميون من مهدهم لتكاثر عددهم اختلفت لغتهم الأولى بالاشتقاق والاختلاط، وزاد هذا الاختلاف انقطاع الصلة وتأثير البيئة وتراخي الزمن حتى أصبحت كل لهجة منها لغة مستقلة.
ويقال: إن أحبار اليهود هم أول من فطن إلى ما بين اللغات السامية من علاقة وتشابه في أثناء القرون الوسطى، ولكن علماء المشرقيات من الأوربيين هم الذين أثبتوا هذه العلاقة بالنصوص حتى جعلوها حقيقة علمية لا إبهام فيها ولا شك.
والعلماء يردّون اللغات السامية إلى الآرامية والكنعانية والعربية، كما يردّون اللغات الآرية إلى اللاتينية واليونانية والسنسكريتية. فالآرامية أصل الكلدانية والآشورية والسريانية، والكنعانية مصدر العبرانية والفينيقية، والعربية تشمل المضَرية الفصحى ولهجات مختلفة تكلمتها قبائل اليمن والحبشة. والراجح في الرأي أن العربية أقرب المصادر الثلاثة إلى اللغة الأم؛ لأنها بانعزالها عن العالم سلمت مما أصاب غيرها من التطور والتغير تبعًا لأحوال العمران.
وليس في مقدور الباحث اليوم أن يكشف عن أطوار النشأة الأولى للغة العربية؛ لأن التاريخ لم يسايرها إلا وهي في وفرة الشباب والنماء، والنصوص الحجرية التي أخرجت من بطون الجزيرة لا تزال لندرتها قليلة الغناء؛ وحدوث هذه الأطوار التي أتت على اللغة فوحّدت لهجاتها، وهذّبت كلماتها معلوم بأدلة العقل والنقل، فإن العرب كانوا أميين لا تربطهم تجارة ولا إمارة ولا دين، فكان من الطبيعي أن ينشأ من ذلك ومن اختلاف الوضع والارتجال، ومن كثرة الحل والترحال، وتأثير الخلطة والاعتزال، اضطراب في اللغة كالترادف، واختلاف اللهجات في الإبدال والإعلال والبناء والإعراب، وهَنات المنطق كعجعجة[12] قُضاعة، وطمطمانية[13] حِمْير، وفحفحة[14] هذيل، وعنعنة[15] تميم، وكشكشة[16] أسد، وقطْعةِ[17] طيئ، وغير ذلك مما باعد بين الألسنة، وأوشك أن يقسم اللغة إلى لغات لا يتفاهم أهلها ولا يتقارب أصلها[18].
ولغات العرب على تعددها واختلافها إنما ترجع إلى لغتين أصليتين: لغة الشمال ولغة الجنوب، وبين اللغتين بونٌ بعيد في الإعراب والضمائر وأحوال الاشتقاق والتصريف، حتى قال أبو عمرو بن العلاء: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا".
على أن اللغتين وإن اختلفتا لم تكن إحداهم بمعزل عن الأخرى؛ فإن القحطانيين جلوا عن ديارهم بعد سيل العرم[19]وتفرقوا في شمال الجزيرة، واستطاعوا بما لهم من قوة، وبما كانوا عليه من رقي، أن يخضعوا العدنانيين لسلطانهم في العراق والشام، كما أخضعوهم من قبل لسلطانهم في اليمن.
فكان إذن بين الشعبين اتصال سياسي وتجاري يقرب بين اللغتين في الألفاظ، ويجانس بين اللهجتين في المنطق، دون أن تتغلب إحداهما على الأخرى؛ لقوة القحطانيين من جهة، ولاعتصام العدنانيين بالصحراء من جهة أخرى. وتطاول الأمد على هذه الحال حتى القرن السادس للميلاد، فأخذت دولة الحميريين تزول وسلطانهم يزول بتغلب الأحباش على اليمن طورًا، وتسلُّط الفرس عليه طورًا آخر. وكان العدنانيون حينئذٍ على نقيض هؤلاء تتهيأ لهم أسباب النهضة والألفة والوحدة والاستقلال بفضل الأسواق والحج، ومنافستهم للحميريين والفرس، واختلاطهم بالروم والحبشة من طريق الحرب والتجارة، ففرضوا لغتهم وأَدبهم على حمير الذليلة المغلوبة، ثم جاء الإسلام فساعد العوامل المتقدمة على محو اللهجات الجنوبية، وذهاب القومية اليمنية؛ فاندثرت لغة حمير وآدابهم وأخبارهم حتى اليوم.
ولم تتغلب لغات الشمال على لغات الجنوب فحسب، وإنما استطاعت كذلك أن تبرأ مما جنته عليها الأمية الهمجية والبداوة من اضطراب المنطق، واختلاف الدلالة، وتعدد الوضع؛ فتغلبت منها لغة قريش على سائر اللغات لأسباب دينية واقتصادية واجتماعية أهمها:
1- الأسواق: وكان العرب يقيمونها في أشهر السنة للبياعات والتسوُّق، وينتقلون من بعضها إلى بعض، فتدعوهم طبيعة الاجتماع إلى المقارضة بالقول، والمفاوضة في الرأي، والمبادهة بالشعر، والمباهاة بالفصاحة، والمفاخرة بالمحامد وشرف الأصل، فكان من ذلك للعرب معونة على توحيد اللسان والعادة والدين والخلق؛ إذ كان الشاعر أو الخطيب إنما يتوخى الألفاظ العامة والأساليب الشائعة قصدًا إلى إفهام سامعيه، وطمعًا في تكثير مشايعيه. والرواة من ورائه يطيّرون شعره في القبائل، وينشرونه في الأنحاء، فتنتشر معه لهجته وطريقته وفكرته.
وأشهر هذه الأسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز، وكانت سوق عكاظ أشهر فضلاً، وأقوى أثرًا في تهذيب العربية، وكانت تقوم من هلال ذي القعدة وتستمر إلى العشرين منه، فتفدُ إليها زعماء العرب وأمراء القول للمتاجرة والمنافرة ومفاداة الأسرى وأداء الحج. وكان كل شريف إنما يحضر سوق ناحيته إلا عكاظ، فإنهم كانوا يتوافدون إليها من كل فج؛ لأنها متوجِّهُهُم إلى الحج، ولأنها تقام في الأشهر الحرم، وذلك - ولا ريب - سر قوتها وسبب شهرتها. وكان مرجعهم في الفصل بينهم إلى محكّمين اتفقوا عليهم، وخضعوا لهم، فكانوا يحكمون لمن وضح بيانه، وفصح لسانه.
2- أثر مكة وعمل قريش: كان لموقع مكة أَثر بالغ في وحدة اللغة ونهضة العرب؛ لأنها كانت في النصف الثاني من القرن السادس محطًّا للقوافل الآتية من الجنوب، تحمل السلع من الهند واليمن، فيبتاعها المكّيون ويصرفونها في أسواق الشام ومصر. وكانت جواد مكة التجارية آمنة لحرمة البيت ومكانة قريش، فكان تُجّارهم يخرجون بقوافلهم الموقرة وعِيرهم الدَّثْر آمنين، فينزلون الأسواق ويهبطون الآفاق فيستفيدون بسطة في العلم، وقوة في الفهم، وثروة في المال، وخبرة بأمور الحياة.
وهي مع ذلك متجرة للعرب، ومثابة للناس يأتون إليها من كل فج عميق، وعلى كل ضامر ليقضوا مناسكهم ويشتروا مرافقهم مما تنتجه أو تجلبه؛ إضافةً إلى أن قريشًا أهلها وأمراءها كانوا - لمكانتهم من الحضارة وزعماتهم في الحج، ورياستهم في عكاظ، وإيلافهم رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى حوران - أشدَّ الناس بالقبائل ارتباطًا، وأكثرهم بالشعوب اختلاطًا. كانوا يختلطون بالحبشة في الجنوب، وبالفرس في الشرق، وبالروم في الشمال. ثم كانوا على أثارة من العلم بالكتب المنزلة: باليهودية في يثرب وما جاورها من أرض خيبر وتيماء، وبالنصرانية في الشام ونجران والحيرة؛ فتهيأت لهم بذلك الوسائل لثقافة اللسان والفكر. ثم سمعوا المناطق المختلفة، وتدبروا المعاني الجديدة، ونقلوا الألفاظ المستحدثة، واختاروا لغتهم من أفصح اللغات، فكانت أعذبها لفظًا، وأبلغها أسلوبًا، وأوسعها مادة، ثم أخذ الشعراء يؤثرونها حتى نزل بها القرآن الكريم، فأتم لها الذيوع والغلبة[20].
وظائف اللغة
يتفق جمهور علماء اللغة المحدثين على أن وظيفة اللغة هي "التعبير أو التواصل أو التفاهم"، مع أن بعضهم يرفض تقييد وظيفة اللغة بالتعبير أو التواصل؛ فالتواصل إحدى وظائفها إلا أنه ليس الوظيفة الرئيسية.
وقد حاول "هاليداي" halliday تقديم حصر بأهم وظائف اللغة، فتمخضت محاولاته عن الوظائف الآتية:
1) الوظيفة النفعية (الوسيلية): وهذه الوظيفة هي التي يطلق عليها "أنا أريد"، فاللغة تسمح لمستخدميها منذ طفولتهم المبكرة أن يشبعوا حاجاتهم، وأن يعبروا عن رغباتهم.
2) الوظيفة التنظيمية: وهي تعرف باسم وظيفة "افعل كذا، ولا تفعل كذا" من خلال اللغة يستطيع الفرد أن يتحكم في سلوك الآخرين لتنفيذ المطالب أو النهي، وكذا اللافتات التي نقرؤها، وما تحمل من توجيهات وإرشادات.
3) الوظيفة التفاعلية: وهي وظيفة "أنا وأنت" تستخدم اللغة للتفاعل مع الآخرين في العالم الاجتماعي باعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع الفكاك من أسر جماعته, فنستخدم اللغة في المناسبات, والاحترام, والتأدب مع الآخرين.
4) الوظيفة الشخصية: من خلال اللغة يستطيع الفرد أن يعبر عن رُؤَاه الفريدة, ومشاعره واتجاهاته نحو موضوعات كثيرة, وبالتالي يثبت هويته وكيانه الشخصي، ويقدِّم أفكاره للآخرين.
5) الوظيفة الاستكشافية: وهي التي تسمى الوظيفة "الاستفهامية" بمعنى أنه يسأل عن الجوانب التي لا يعرفها في البيئة المحيطة به حتى يستكمل النقص عن هذه البيئة.
6) الوظيفة التخيلية: تتمثل فيما ينسجه من أشعار في قوالب لغوية، كما يستخدمها الإنسان للترويح, أو لشحذ الهمة والتغلب على صعوبة العمل, وإضفاء روح الجماعة, كما هو الحال في الأغاني والأهازيج الشعبية.
7) الوظيفة الإخبارية (الإعلامية): باللغة يستطيع الفرد أن يتقل معلومات جديدة ومتنوعة إلى أقرانه, بل ينقل المعلومات والخبرات إلى الأجيال المتعاقبة, وإلى أجزاء متفرقة من الكرة الأرضية، خصوصًا بعد الثورة التكنولوجية الهائلة. ويمكن أن تمتد هذه الوظيفة لتصبح وظيفة تأثيرية إقناعية؛ لحث الجمهور على الإقبال على سلعة معينة، أو العدول عن نمط سلوكي غير محبّب.
8) الوظيفة الرمزية: يرى البعض أن ألفاظ اللغة تمثل رموزًا تشير إلى الموجودات في العالم الخارجي, وبالتالي فإن اللغة تخدم كوظيفة رموزية[21].
واللغة كالكائن الحيّ، تنمو وتترعرع وتشب وتشيخ، وقد تموت إذا لم تتوفر لها عوامل الديمومة والاستمرار, مرهونة في ذلك بتنوع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية، فعندما يتطور المجتمع حضاريًّا وإنتاجيًّا تتطور اللغة، والعكس.